لا أدري من أين أبدأ...
ولا أي حرف يليق أن يكون مفتاح هذه الحكاية الثقيلة بالدمع، الخفيفة بالإيمان.
أأبدأ من لحظة الماء حين علا وارتفع؟
أم من لحظة القلوب حين اقتربت فارتفعت معنا؟
كلفني أصدقائي — بل أحبائي الذين شاركتهم الخبز والذكرى والمحنة — أن أكتب، فقلت: لا افتتاح أصدق من الحمد، ولا بداية أبرك من الثناء على الله.
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه،
الحمد لله في السراء قبل الضراء، وفي العطاء كما في البلاء،
فهو سبحانه لا يقدر أمرا إلا وفي باطنه لطف خفي،
ولا يختار لعباده إلا ما يحمل لهم من الخير ما قد تغيب حكمته عن العيون ساعة الحدث، لكن تدركه القلوب إذا هدأت وسكنت..
بعد جلاء الفيضان، وبين لحظات الرحيل الثقيلة ووجع الفقد وارتباك البداية من جديد… تعلمنا درسًا عظيمًا في الإيمان:
أن الأرض قد تضطرب تحت أقدامنا، لكن رحمة الله لا تضطرب.
أن البيوت قد تترك، لكن السند الحق لا يترك أبدا.
أن ما ينهدم من طين قد يبنى في القلوب من يقين.
حين داهمت الفيضانات مدينتنا القصر الكبير، بدت كأنها صفحة غمرها الماء، وكأن الشوارع التي ضجت يومًا بالحياة صارت تهمس بالحزن. خرج الناس أفواجا؛
منهم من عاد إلى أهله،
ومنهم من قصد مخيمات الإيواء،
ومنهم من حمل ما خف من متاعه، وتوكل على الله، يمضي إلى مدن الجوار وقلبه معلق بما ترك.
وكانت طنجة من بين الجهات التي مدت يدها قبل أن تسأل، وفتحت أبوابها قبل أن يطرق عليها.
وفي المحن، لا تقاس المدن بمبانيها، بل بإنسانها.
وهنا تجلى معنى "الاحتواء" لا كشعار يرفع، بل كعش يظلل صغاره حتى تمر العاصفة.
كان هذا العش يمتد بين جهود ثلاث مؤسسات صنعت الفرق:
مؤسسة التمكين للإنسانية، التي لا تضعك في خانة المحتاج بل في مقام القادر، تؤمن بك قبل أن تؤمن بنفسك، وتوقظ فيك القدرة على النهوض.
وجمعية غيث، التي نزلت كالغيث على أرض عطشى، فاطمأنت بها القلوب قبل البيوت.
وجمعية دارنا، التي لم تكن مقرًا، بل بيتا حقيقيا، فيه القوت والدفء..
رأينا الناس يومها كأنهم قلب واحد،
يتقاطرون من كل حدب وصوب؛ من طنجة الى العرائش الى القنيطرة،
وكأن المدن تهمس: تلك جارتكم وتلك دارنا جميعا.
كل يهب بما استطاع؛
هذا بشاحنة، وذاك بمجداف، وآخر بالجرار
لكن الحقيقة ان الجميع كانوا يحملون شيئا اثمن:
روحا لا تعرف التراجع، ويدا لا تبخل بالعطاء.
ورأينا رجالا يغامرون بحياتهم،
كأن الموت عندهم تفصيل صغير امام نداء الانسانية،
يقول احدهم:
"ان مت، فشهيد انا… فقد قضيت ديني لله، وانا اخدم عباده"
وفي خضم تلك اللحظات الثقيلة،
كانت للانسانية طرائفها التي تخفف وطأة المشهد؛
فقد كنا انا ومحمد العضوضي عائدين من المستشفى،
برفقة صديق لنا،
واذا بشرطي يوقفنا في الطريق.
فلما علم اننا من القصر الكبير،
فقال:
"ولم لم تقولوا ذلك من البداية؟"
وكأن الموقف كله يقول:
حين تشتد الشدائد،
تسقط الرسميات،
ولا يبقى الا الانسان...
نقيا كما خلق اول مرة.
وفي تلك الأيام تعلمنا أن:
البيوت تبنى بالحجارة، لكن الأوطان تبنى بالقلوب.
الغربة ليست بعد المسافة، بل غياب الألفة.
الشدائد لا تكشف ضعفنا، بل تكشف معادن من حولنا.
من فقد شيئًا لله، عوضه الله بمن يحيطونه محبة وسندًا.
عشت هناك أجمل أيامي...
عشت الوئام كما يعاش النفس،
وعشت الوصال كما يعاش النبض.
لم تكن كلمات أرددها بعد كل ورشة، بل حقيقة عشتها بكل أوصالي.
كنا نتسابق إلى الخير كما يتسابق العطاش إلى الماء.
شبابنا لم يعرفوا للنوم طريقًا، والسهر كان اختيارا لا اضطرارا.
وشعارنا كان واضحًا:
""لا أحد يبقى في الشارع
كنا نتحرك كجسد واحد؛
منا من ينسق،
ومنا من يدون الأسماء كأنه يحفظ الأمل لا البيانات،
ومنا من يركب سيارته مسرعا ليحمل الأسر إلى مكان الاحتواء كما يحمل الندى إلى الزهر.
لم يكن يؤرقنا التعب...
بل كان يؤرقنا مشهد أسرة تفترش السماء في ليلة باردة.
ذلك وحده كان يوجعنا.
كنا نستيقظ قبل الشمس،
نجلب الخبز،
نعد الفطور والغداء،
لنطعم إخوتنا...
رغم أننا كنا منهم،
ومن المتضررين مثلهم.
حتى إن بعضهم كان يسألنا:
"أنتم من طنجة؟"
فنبتسم ونقول بفخر:
لا… نحن أبناء القصر الكبير.
ما أصابكم أصابنا،
وما أجليتم إلا وأجلينا مثلكم.
وكانت الدهشة في عيونهم تقول أكثر مما تقول الكلمات:
كيف لمن فقد بيته أن يصبح بيتًا لغيره؟
اقتربنا منهم لا لنواسيهم فقط، بل لنتقاسم الألم.
فالوجع إذا اقتسم خف،
وإذا تحول إلى تعاون صار قوة.
ثم جاء يوم العودة...
توقعت الفرح الصاخب،
لكنني رأيت الدموع.
كانوا يودعونه كما ينتزع الضوء من العين، ببطء موجع لا يقال.
لم يكونوا يتركون جدرانًا،
بل كانوا يتركون أياما صنعت بينهم روابط لا تصنعها السنوات.
هناك فهمت أن بعض الأمكنة لا تعظم بما فيها،
بل بما يعاش فيها.
وأن بعض المحن لا تنسى لأنها موجعة،
بل لأنها كشفت أجمل ما فينا.
عدنا إلى بيوتنا...
فهمنا أنذاك أننا فعلنا مالم تحمله الجبال، فهمنا والله
لكننا لم نعد كما كنا.
كبرنا قليلا،
نضجنا كثيرا،
وتعلمنا أن من يعطي يشفى،
ومن يحتوي يحتوى،
ومن يكون سندا، يجعل الله له من كل جهة سندا.
وما زلت أقولها كلما تذكرت تلك الأيام:
عشت هناك أفضل أيامي...
عشت الوئام،
وعشت الوصال،
وعرفت أن أجمل ما قد تمنحك إياه المحنة...
أن تريك معدن الإنسان فيك وفي غيرك.
وفي الختام، لا أملك إلا أن أقول:
الحمد لله الذي إذا ابتلانا لم يتركنا،
وإذا ضاقت بنا الأرض وسع لنا قلوب عباده،
وجعل من الألم بابًا إلى نور اسمه:
الاحتواء...
والمحبة...
والإنسانية.